نبذة عن حياة الفنان زياد الرحباني

زياد الرحباني… صوت الثورة الناعمة ومرآة المجتمع اللبناني
الاسم الكامل: زياد عاصي الرحباني
تاريخ الميلاد: 1 كانون الثاني 1956
مكان الولادة: أنطلياس – قضاء المتن، لبنان
تاريخ الوفاة: تم تأكيد وفاته عن عمر ناهز 69 عاماً في تموز 2025
⸻
النشأة والعائلة
زياد هو الابن البكر للسيدة فيروز، الصوت الذي غنّى للبنان والعالم، وعاصي الرحباني، أحد أعمدة الأخوين رحباني. نشأ في بيتٍ غارق بالموسيقى والثقافة والفكر، وتشرّب الفن من أرقى منابعه.
لم يكن مجرد “ابن فيروز وعاصي”، بل مشروع فنيّ مستقل منذ نعومة أظافره، عُرف عنه مبكرًا تمرّده الإبداعي، ووعيه الطبقي والسياسي اللافت.
⸻
انطلاقته المبكرة
دخل عالم الشهرة في سن الـ17 من خلال مسرحيته الأولى “سهرية” (1973)، التي كتبها ولحنها وأخرجها بنفسه.
مثّلت تلك المسرحية ثورة فكرية وموسيقية، خرجت عن التقليد الرحباني الكلاسيكي، ومهّدت لأسلوب ساخر ونقدي جديد في المسرح اللبناني.
⸻
المسرح السياسي والسخرية السوداء
كتب وأخرج أعمالًا مسرحية شكلت مفترق طرق في تاريخ المسرح العربي، أبرزها:
• نزل السرور (1974)
• بالنسبة لبكرا شو؟ (1978)
• فيلم أميركي طويل (1980)
• شي فاشل (1983)
• بخصوص الكرامة والشعب العنيد (1993)
أعماله جمعت بين السياسة، الكوميديا السوداء، الموسيقى، النقد الاجتماعي، واليومي اللبناني بتناقضاته القاسية.
وتميّزت بحوارات واقعية، ساخرة، ومؤلمة في آنٍ معًا، تنبض بلغة الشارع وهموم المواطن.
⸻
🎶 موسيقاه… مزيج بين الجاز والوجدان الشرقي
زياد الرحباني طوّر الأغنية اللبنانية من حيث التوزيع والمضمون.
مزج ببراعة بين الجاز والمقامات الشرقية، وابتكر لونًا موسيقيًا خاصًا به، لم يسبق له مثيل.
من أشهر أعماله:
• عودك رنان
• بما إنو
• شو هالأيام
• راجعة بإذن الله (للسيدة فيروز)
• كل ما الحكي
• أمي نامت ع بكير
كما قدّم ألبومات موسيقية مستقلة:
• “إلى عاملة في مصنع الشوكولا” (1993)
• “مونودوز” (1996)
• تعاون مع فنانين عالميين في مشروعات “Jazz Fusion”، وتجلّت عبقريته في مقطوعات مسرحية وجمل لحنية لا تُنسى.
⸻
العلاقة مع جوزيف صقر
لا يمكن ذكر زياد دون الحديث عن صديقه ورفيقه في المسرح والغناء جوزيف صقر، الذي غنّى معظم مسرحياته، وكان صوته الأقرب إلى وجدان زياد.
شكّلا معًا ثنائيًا أسطوريًا امتد حتى وفاة صقر المفاجئة عام 1997، التي تركت أثرًا عميقًا في نفس زياد، وأثّرت على وتيرة إنتاجه لاحقًا.
⸻
مواقفه السياسية
من أبرز الوجوه الثقافية ذات التوجّه اليساري في لبنان، عبّر زياد عن قناعاته في كل أعماله، ووقف دائمًا في صف الفقراء والمهمّشين.
انتقد الطبقة السياسية اللبنانية بقسوة، وكان مناهضًا للطائفية، ورفض أي محاولات تسييس الدين أو الفن.
وقد دفع ثمن صراحته استبعادًا وتضييقًا من بعض المنصّات، لكنه لم يساوم يومًا على قناعاته.
⸻
مساهماته الصحافية
كتب زياد مقالات أسبوعية في جريدة “الأخبار اللبنانية”، تميّزت بأسلوبه الساخر والمباشر.
تحدث فيها عن قضايا الفن والسياسة والفساد والمجتمع، بلغة محكية قريبة من الناس، مليئة بالتعابير الذكية والمواقف النارية.
⸻
إطلالاته الإعلامية
زياد كان نادر الظهور إعلاميًا، لكنه حين يتكلم، يفرض حضوره الكامل.
من أبرز إطلالاته:
• لقاء مع جورج قرداحي في التسعينات
• مقابلات نادرة مع تلفزيون المنار وNBN
• أحاديث إذاعية عبر “صوت الشعب”
كل ظهور له كان مادة دسمة للنقاش، وترك أثراً جماهيريًا واسعًا.
⸻
الجانب الشخصي
تزوّج لفترة من دلال كرم، وله ابن واحد يُدعى عاصي.
حياته الخاصة بقيت بمعظمها خارج الضوء، لكنه عُرف بعلاقاته المثيرة للجدل أحيانًا، وبأسلوب حياته الحرّ والصادق.
⸻
الإرث الفني والفكري
زياد ليس مجرّد فنان، بل ظاهرة ثقافية لبنانية:
• تمرّد على إرث عائلته من دون أن ينسلخ عنه
• أعاد تعريف الفنّ كوسيلة مقاومة وفكر وتمرّد
• كان ضميرًا حيًّا للشارع، وسخرية لاذعة بوجه الزيف
• مزج الجمال بالوجع، والذكاء بالجنون، والحرية بالحرف
⸻
أرشيفه ووصيته الثقافية
رغم غنى إرثه، ما يزال أرشيف زياد غير مؤطّر رسميًا.
هناك دعوات واسعة اليوم إلى جمعه ضمن مؤسسة رسمية أو متحف موسيقي وطني، يليق بقيمته الفكرية والفنية.
⸻
من أقواله الخالدة:
“أنا مش ضد النظام… أنا ضد الكذب باسم النظام، وباسم الدين، وباسم الوطن.”
⸻
الوداع الأخير…
وفاته اليوم لا تُطفئ صوته، بل تُعيدنا إلى أرشيفه، إلى مسرحه، إلى حروفه التي لا تزال ترنّ في أذهاننا.
في زمن باتت فيه الحقيقة خجولة، يبقى زياد صادقًا، جارحًا، إنسانيًا… كما كان دائمًا.
هو لم يكتب فقط تاريخاً فنياً… بل كتب وجدان جيل، ووجع وطن